تدخل أزمة العقارات في الصين عامها الخامس، وسط مؤشرات متسارعة تؤكد أن ما كان يُنظر إليه كتعثر مؤقت، تحوّل اليوم إلى أزمة هيكلية عميقة تهدد أحد أهم محركات النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فمنذ انفجار فقاعة الديون عام 2021، فقد القطاع نصف مبيعاته السنوية، لتتراجع إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، في وقت تتزايد فيه المخاوف من دخول السوق في نفق مسدود يصعب الخروج منه.
ركود يلتهم المدن الكبرى… و”ستاندرد آند بورز” تدق ناقوس الخطر
ورغم محاولات بكين تعويض التراجع عبر دعم قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، تكشف أحدث تقارير ستاندرد آند بورز أن الركود لم يعد محصورًا في المدن الطرفية، بل بدأ يضرب القلاع الحصينة مثل بكين وشنتشن، حيث تراجعت الأسعار بأكثر من 3% خلال الربع الأخير من العام الماضي، بينما بقيت شنغهاي الاستثناء الوحيد بنمو بلغ 5.7%.
وتشير الوكالة إلى أن فائض المساكن غير المباعة يتراكم للعام السادس على التوالي، ما خلق حلقة مفرغة بين انخفاض الأسعار وتآكل ثقة المستهلك، في ظل توقعات بانخفاض إضافي يتراوح بين 2% و4% هذا العام.
توقعات قاتمة: مبيعات العقارات تتجه إلى قاع جديد
وبحسب تقرير نشرته شبكة سي إن بي سي، خفّضت “ستاندرد آند بورز” توقعاتها لمبيعات العقارات الأولية، مرجحةً تراجعًا يتراوح بين 10% و14% خلال عام 2026.
هذا الانخفاض يعمّق جراح القطاع الذي هبطت مبيعاته من 18.2 تريليون يوان عام 2021 إلى 8.4 تريليون يوان فقط بنهاية العام الماضي.
وتؤكد الوكالة أن الحكومة وحدها تملك القدرة على استيعاب فائض المعروض، لكن جهود شراء الوحدات المتعثرة لتحويلها إلى سكن ميسور لا تزال “متقطعة وغير كافية” لاستعادة ثقة المشترين.
سقوط “فانكي”: انهيار آخر القلاع المستقرة
في تطور لافت، دخلت شركة تشاينا فانكي—التي كانت تُعد من أكثر المطورين انضباطًا—دوامة الأزمة، بعد مواجهتها ضغوط سيولة دفعتها لطلب تأجيل سداد جزء من ديونها، وفق تقارير “بلومبرغ”.
هذا التحول يعكس أن الأزمة لم تعد تخص الشركات المثقلة بالديون مثل “إيفرغراند”، بل باتت تهدد حتى الشركات المدعومة جزئيًا من الدولة.
وتحذر “ستاندرد آند بورز” من سيناريو أسوأ:
إذا انخفضت المبيعات 10 نقاط مئوية إضافية، فإن 4 من كل 10 شركات تطوير عقاري ستواجه خطر خفض تصنيفها الائتماني.
بكين تغيّر فلسفتها… ولكن هل يكفي ذلك؟
يقول الخبير الاقتصادي هاشم عقل لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” إن القطاع يدخل عام 2026 في “منطقة حرجة” بين محاولات التثبيت ومخاطر الركود الهيكلي.
ويشير إلى أن بكين لم تستنفد حلولها، لكنها غيّرت فلسفتها بالكامل عبر:
- آلية القائمة البيضاء
التركيز على دعم المشاريع بدل الشركات، لضمان تسليم الوحدات وحماية المشترين. - نموذج “الشراء من أجل التأجير”
شراء فائض المعروض وتحويله إلى إسكان ميسور، لتقليل المخزون ومعالجة أزمة السكن.
معضلة الجغرافيا… مدن مكتظة وأخرى فارغة
ورغم هذه الخطوات، تبقى الأزمة محاصرة بـ”فجوة جغرافية” حادة:
- الطلب يتركز في مدن الدرجة الأولى
- بينما تتكدس ملايين الوحدات في مدن الظل التي تعاني نزيفًا سكانيًا
ما يجعل خطط الشراء الحكومي غير مجدية اقتصاديًا في تلك المناطق.
كما أدى انخفاض الأسعار بنسبة وصلت إلى 20% منذ 2021 إلى أثر ثروة سلبي دفع الأسر—التي ترتبط 70% من ثرواتها بالعقار—إلى الادخار بدل الشراء.
مقارنة مرعبة… هل تتكرر تجربة اليابان؟
يقول طارق الرفاعي، الرئيس التنفيذي لمركز “كوروم”، إن مقارنة الأزمة الحالية بفقاعة اليابان في الثمانينيات تكشف حقيقة صادمة:
اليابان احتاجت أكثر من عقد للتعافي، ورغم ذلك لم يعد السوق إلى مستوياته السابقة.
ويضيف أن وضع الصين “أكثر حدة” بسبب:
- حجم البناء الضخم
- الرافعة المالية العالية
- اعتماد الأسر الكبير على العقار
- فائض العرض الهيكلي
ورغم خفض الفائدة وتخفيف قواعد الشراء ودعم المطورين، لم تستعد السوق ثقتها بعد، ولا تزال أسهم العقارات منخفضة بشدة.
الصين ليست في طريق مسدود… لكنها في بداية المرحلة الأصعب
يختتم الرفاعي بالقول إن الصين ليست في نفق مغلق، لكنها تدخل مرحلة طويلة من التصحيح المؤلم، حيث يؤدي الوقت وشطب الأصول وتباطؤ النمو إلى تفاقم الأزمة، تمامًا كما حدث في اليابان ولكن على نطاق أكبر وأكثر تعقيدًا.








