اختتم وفد وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية زيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية، في خطوة تعكس توجه سوريا نحو إعادة هيكلة الإدارة المحلية وفق نماذج رقمية وتنموية حديثة. الزيارة التي ترأسها وزير الإدارة المحلية والبيئة المهندس محمد عنجراني، حملت طابعاً فنياً واستراتيجياً ركز على التحول الرقمي، وإدارة المدن الذكية، وتطوير البنية الخدمية والبيئية بما يتناسب مع متطلبات مرحلة التعافي العمراني في سوريا 2026.
رقمنة الخدمات البلدية وبناء نموذج “البلديات الذكية”
في واحدة من أبرز محطات الزيارة، اطلع الوفد السوري على تجربة شركة “NHC Innovation”، الذراع التقني للشركة الوطنية للإسكان السعودية، والتي تقود مشاريع التحول الرقمي والخدمات الذكية في القطاع البلدي والإسكاني.
وشملت الزيارة استعراض منصة “بلدي” الرقمية التي تدير أكثر من 400 خدمة إلكترونية، بدءاً من التراخيص والخدمات التنظيمية وصولاً إلى إدارة المرافق والتفاعل مع المواطنين. كما ناقش الجانبان إمكانية الاستفادة من هذه التجربة في تطوير الخدمات البلدية داخل المدن السورية وتخفيف الاعتماد على المعاملات الورقية التقليدية.
كما شكلت تقنيات الخرائط الذكية ثلاثية الأبعاد محوراً مهماً في المباحثات، خاصة مع التوجه نحو إدارة المناطق التنظيمية الجديدة عبر أنظمة جيومكانية متطورة تدعم التخطيط الحضري ورفع كفاءة الخدمات.
شراكات هندسية لدعم مشاريع البنية التحتية
وضمن أجندة الزيارة، عقد معاون الوزير للشؤون الفنية المهندس محمد ياسر غزال لقاءات مع شركة “راديان” للاستشارات الهندسية في الرياض، لبحث التعاون في إدارة مشاريع البنية التحتية والتخطيط العمراني.
وركزت المباحثات على آليات توظيف الحلول الرقمية في إدارة المشاريع الكبرى، بما يضمن رفع كفاءة التنفيذ وتقليل التكاليف التشغيلية، إلى جانب تطوير الكوادر الفنية والإدارية القادرة على إدارة مشاريع التطوير العمراني خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع توسع مشاريع الإسكان والتنظيم العمراني في سوريا، والحاجة إلى نماذج تشغيل حديثة قادرة على استيعاب الاستثمارات الكبرى ومواكبة التحولات الحضرية الجديدة.
إدارة النفايات كقطاع استثماري مستدام
وعلى الصعيد البيئي، زار معاون الوزير لشؤون البيئة الدكتور يوسف شرف المركز الوطني لإدارة النفايات “موان”، حيث اطلع الوفد على التجربة السعودية في تطوير قطاع النفايات وتحويله إلى نشاط اقتصادي قائم على مفهوم الاقتصاد الدائري.
وتركزت النقاشات حول آليات تحويل النفايات إلى موارد قابلة لإعادة الاستخدام أو مصادر للطاقة، بما يفتح المجال أمام بناء قطاع استثماري جديد في المحافظات السورية يعتمد على الاستدامة البيئية وتقنيات المعالجة الحديثة.
كما ناقش الجانبان أهمية تطوير البنية التنظيمية والإدارية لإدارة النفايات، وربطها بمشاريع المدن الذكية والخدمات الحضرية المتطورة.
التحول الرقمي كقاعدة لإدارة المدن المستقبلية
تعكس هذه الزيارة توجهاً سورياً واضحاً نحو بناء نموذج إداري جديد يعتمد على التكنولوجيا والحوكمة الرقمية كجزء من البنية التحتية الاقتصادية والعمرانية للدولة.
فمع تصاعد الحديث عن مشاريع تطوير عقاري واستثمارات ضخمة مثل(إيجل هيلز وحسن علام) في دمشق والساحل السوري، تصبح الحاجة إلى أنظمة تشغيل ذكية وإدارة رقمية للخدمات والسجلات والبيانات أمراً أساسياً لضمان استقرار السوق ورفع كفاءة المؤسسات المحلية.
كما أن تطوير منصات خدمية رقمية وإعادة تنظيم إدارة الأصول البيئية والعقارية يساهم في تعزيز ثقة المستثمرين، وتهيئة بيئة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب التحولات الاقتصادية خلال السنوات القادمة.
رؤية 2026.. من إعادة الإعمار إلى بناء منظومة تشغيل متكاملة
لم تعد مرحلة التعافي في سوريا مرتبطة بإعادة بناء الحجر فقط، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على تحديث الأنظمة الإدارية والخدمية التي تدير المدن والمشاريع الكبرى.
ومن هنا، تبدو الشراكات التقنية وتبادل الخبرات مع التجارب الإقليمية المتقدمة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تأسيس منظومة تشغيل حديثة للمدن السورية، تقوم على الرقمنة، والحوكمة، والاستدامة، وربط الخدمات العامة بمنصات ذكية قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد العمراني الجديد.








