في لحظة يصفها مراقبون بأنها نقطة تحول مفصلية في المشهد الاقتصادي السوري، أعلن مؤسس إعمار العقارية ورجل الأعمال محمد العبّار عن خطة استثمارية ضخمة تتجاوز قيمتها 19 مليار دولار، ضمن مخرجات المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق. الإعلان حمل معه مؤشرات واضحة على دخول سوريا مرحلة جديدة من الشراكات الاقتصادية الكبرى، القائمة على إعادة تشكيل البنية السياحية والعمرانية وفق معايير إقليمية ودولية حديثة.
1. خارطة التوزيع: دمشق الذكية والساحل العالمي
تتوزع استثمارات العبّار بين العاصمة السورية والساحل، ضمن رؤية تستهدف خلق بيئات عمرانية وسياحية متكاملة تعيد رسم المشهد العقاري في البلاد خلال السنوات المقبلة. ففي دمشق، تتجه الاستثمارات التي تقدر بنحو 12 مليار دولار نحو مشاريع عمرانية وسياحية ضخمة تدعم التحول إلى نموذج “المدينة الذكية”، بالتوازي مع مشاريع التطوير الكبرى التي تشهدها العاصمة.
أما الساحل السوري، فقد خصص له نحو 7 مليارات دولار بهدف تطوير المنتجعات والمنشآت السياحية وتحويل الشواطئ السورية إلى وجهة منافسة على مستوى شرق المتوسط، مع التركيز على الدمج بين الطبيعة والخدمات الفندقية الحديثة والبنية التحتية المتطورة.
2. محركات النمو: وظائف بالآلاف وملايين السياح
الأثر المتوقع لهذه الاستثمارات يتجاوز قطاع البناء والتطوير العقاري، ليطال قطاعات التشغيل والخدمات والسياحة والنقل. وتشير التقديرات الأولية إلى إمكانية توفير نحو 100 ألف فرصة عمل مباشرة في المرحلة الأولى، مع توقعات بارتفاع العدد تدريجياً إلى 400 ألف وظيفة نتيجة تنشيط القطاعات المرتبطة بالمشاريع الجديدة.
كما وضع العبّار هدفاً زمنياً يمتد لخمس سنوات لرفع عدد الزوار القادمين إلى سوريا إلى نحو 8 ملايين سائح، مستنداً إلى إعادة تأهيل البنية السياحية والفندقية وربطها بمشاريع الضيافة الحديثة التي بدأت ملامحها بالظهور في دمشق والساحل.
3. التنفيذ والسرعة: شركة إدارة وجدول زمني ضاغط
يعتمد المشروع على آلية تنفيذ سريعة ومؤسساتية، حيث أُعلن عن التوجه لتأسيس شركة متخصصة تتولى إدارة الاستثمارات الجديدة داخل سوريا، بما يضمن كفاءة التشغيل وتنظيم الشراكات مع المطورين المحليين والجهات الحكومية.
كما حدد العبّار فترة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر لبدء الأعمال التنفيذية على الأرض، في إشارة تعكس جدية الانتقال من مرحلة التفاهمات والاتفاقيات إلى مرحلة المشاريع الفعلية.
تكامل الفخامة مع العدالة الحقوقية
يحمل هذا التحرك الاستثماري أبعاداً تتجاوز لغة الأرقام، إذ يتقاطع مع ملفات عقارية وقانونية حساسة مرتبطة بواقع التطوير العمراني في سوريا. فالمستثمر الخليجي يبحث عن بيئة مستقرة وواضحة قانونياً، وهو ما أعاد فتح النقاش حول قضايا التعويض العادل للملاك وآليات تنظيم الأراضي ضمن المشاريع الكبرى.
وفي الوقت ذاته، يتكامل هذا المسار مع الحراك الثقافي والسياحي الذي تشهده دمشق، خاصة مع المبادرات المتعلقة بترميم المعالم التاريخية والأسواق القديمة، ما يمنح العاصمة مزيجاً يجمع بين الحداثة العمرانية والهوية التراثية.
هذا التوازن بين “المدينة الحديثة” و”الروح التاريخية” قد يشكل العنصر الأهم في إعادة تموضع سوريا على خارطة السياحة والاستثمار الإقليمي خلال السنوات القادمة، خصوصاً مع دخول أسماء استثمارية بحجم محمد العبّار ومجموعات التطوير الخليجية الكبرى, وإن الرسالة التي يحملها هذا الإعلان تتجاوز ضخ رؤوس الأموال، لتؤكد أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من بناء الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد، القائمة على نقل الخبرات وتطوير البنية التحتية وإعادة إحياء القطاعات الحيوية.
مشاريع العبّار في دمشق والساحل تمثل بداية مسار اقتصادي مختلف، عنوانه الاستثمار واسع النطاق، والسياحة الحديثة، والمدن القادرة على جذب رؤوس الأموال والزوار في آن واحد.








