يشهد قطاع التشييد والبناء في سوريا مرحلة تحول تدريجية مع عودة النشاط العمراني وبدء تحريك ملفات الإسكان والبنية التحتية والاستثمار العقاري، الأمر الذي أعاد ملف التدريب المهني إلى واجهة الأولويات الاقتصادية باعتباره العامل الحاسم في تأمين اليد العاملة القادرة على تنفيذ مشاريع الإعمار بكفاءة وجودة وسرعة.
وترى وزارة الأشغال العامة والإسكان أن مراكز التدريب المهني لم تعد مجرد مؤسسات تعليمية تقليدية، بل أصبحت إحدى الركائز الأساسية لدعم سوق الإعمار وتغذية المشاريع العقارية والإنشائية بالكفاءات الفنية الوطنية.
تطوير منظومة التدريب وفق احتياجات السوق
وفي حديث خاص لـ”سوريا العقارية”، أكد مدير التدريب المهني المهندس سامر دلال باشي أن مراكز التدريب المهني التابعة لوزارة الأشغال العامة والإسكان باتت تشكل اليوم إحدى الركائز الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار والتنمية العمرانية في سوريا، خاصة في ظل التوسع المتوقع بمشاريع الإسكان والبنية التحتية والاستثمارات العقارية خلال السنوات المقبلة.
وأوضح دلال باشي أن الوزارة تعمل على تطوير منظومة التدريب المهني بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل الفعلية، مشيراً إلى أن البرامج التدريبية لم تعد تعتمد على المناهج التقليدية فقط، وإنما جرى تحديثها وفق نظام الوحدات النمطية ومخرجات الكفاءة، مع تخصيص ما يقارب 76% من التدريب للجانب العملي داخل الورشات التطبيقية.
نقص في العمالة الماهرة
وبيّن دلال باشي أن قطاع الإنشاءات في سورية يواجه حالياً نقصاً واضحاً في العمالة الفنية الماهرة نتيجة الهجرة وتغيرات سوق العمل، ما جعل إطلاق الدورات المهنية المجانية ضرورة اقتصادية وتنموية تهدف إلى تأهيل الشباب ورفد السوق بكفاءات وطنية مدربة خلال فترة زمنية قصيرة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر.
وأشار إلى أن أبرز الاختصاصات المطلوبة حالياً تشمل أعمال البناء والحدادة المسلحة والتمديدات الكهربائية والصحية وأعمال التشطيبات والديكور، إضافة إلى تركيب وصيانة منظومات الطاقة الشمسية التي أصبحت جزءاً أساسياً من متطلبات البناء الحديث.
وأضاف دلال باشي أن الوزارة تتجه أيضاً نحو إدخال اختصاصات جديدة مرتبطة بالتقنيات الحديثة، مثل البناء مسبق الصنع وتقنيات العزل الحراري واستخدام مواد البناء الذكية والصديقة للبيئة، بهدف مواكبة التطورات العالمية في قطاع التشييد والبناء.
1000 متدرب و9 مراكز تدريب
وفيما يتعلق بالأرقام والمؤشرات، كشف مدير التدريب المهني أن الوزارة تستهدف تخريج نحو 1000 متدرب ومتدربة خلال العام التدريبي 2025-2026 عبر 9 مراكز تدريب مهني موزعة على المحافظات السورية الرئيسية، تشمل دمشق ودرعا وحمص وحماة وطرطوس واللاذقية وإدلب وحلب ودير الزور.
75% من الخريجين دخلوا سوق العمل
ولفت إلى أن نسبة دخول الخريجين إلى سوق العمل تتراوح حالياً بين 60% و75% في بعض الاختصاصات الفنية، خاصة في مجالات الطاقة الشمسية والتمديدات الكهربائية والصحية، سواء ضمن الشركات الإنشائية أو من خلال العمل الحر والمقاولات الفرعية.
وأكد دلال باشي أن شركات الاستثمار العربية والأجنبية تعتمد بنسبة تتجاوز 85% على الأيدي العاملة الوطنية ضمن مواقع التنفيذ، نظراً لما تتمتع به الكفاءات السورية من خبرة ميدانية وكفاءة تشغيلية، معتبراً أن الاستثمار الحقيقي في الإعمار يبدأ من تأهيل العنصر البشري قبل أي شيء آخر.
مشاركة متزايدة للنساء
وأشار دلال باشي إلى أن مشاركة النساء في برامج التدريب المهني تشهد تصاعداً ملحوظاً، حيث تجاوزت نسبة المشاركة النسائية 25% في بعض المراكز، لا سيما ضمن اختصاصات الديكور والطاقة المتجددة وأعمال الدهان.
وحول دور التدريب المهني في دعم القطاع العقاري، أوضح أن العامل المؤهل يساهم بشكل مباشر في تخفيض نسب الهدر في مواد البناء وتقليل الأخطاء التنفيذية، ما ينعكس على خفض تكاليف المشاريع ورفع جودة التنفيذ وتسريع عمليات التسليم.
حاضنات مهنية متكاملة
وختم مدير التدريب المهني حديثه بالتأكيد على أن رؤية الوزارة المستقبلية تقوم على تحويل مراكز التدريب المهني إلى حاضنات مهنية متكاملة تعتمد التدريب المستمر والتصنيف المهني، مضيفاً: “إذا أردنا تلخيص دور التدريب المهني في مرحلة إعادة البناء بكلمة واحدة، فهي: الركيزة، لأن أي مشروع عمراني أو استثماري لن يتحول إلى واقع حقيقي دون وجود الكفاءات المهنية القادرة على تنفيذه بكفاءة وجودة عالية.”









