الرئيسية / مميز / سوق العقارات في تركيا تحت ضغط الفائدة والتضخم.. السيولة تتجمد والأسعار تتراجع حقيقياً

سوق العقارات في تركيا تحت ضغط الفائدة والتضخم.. السيولة تتجمد والأسعار تتراجع حقيقياً

يواجه سوق العقارات في تركيا مرحلة من التباطؤ مع استمرار تأثير الفائدة المرتفعة والتضخم على القدرة الشرائية والتمويل، في وقت ترتفع فيه أسعار العقارات بالليرة التركية، بينما تتراجع قيمتها الحقيقية بعد احتساب التضخم، ما أدى إلى تجميد سيولة كبيرة داخل القطاع وتأجيل استكمال عدد من المشاريع.

فائدة مرتفعة تضغط على التمويل العقاري

تحولت السياسة النقدية التركية خلال السنوات الأخيرة من دعم الاقتراض العقاري إلى التشدد في مواجهة التضخم، إذ رفعت الفائدة الأساسية إلى 50% خلال 2024، قبل خفضها تدريجياً إلى 37% في يناير 2026، وهو المستوى الذي أبقاه المصرف المركزي في اجتماعه المنتهي في 23 يوليو الماضي.

ويؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى تقليص قدرة الأسر على شراء المساكن، كما يرفع تكلفة القروض الموجهة للمطورين، ما يجعل تنفيذ المشاريع الجديدة واستكمال المشاريع القائمة أكثر كلفة في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء.

أسعار ترتفع بالليرة وتتراجع بالقيمة الحقيقية

وتظهر المفارقة بوضوح في مؤشرات السوق، إذ ارتفعت أسعار المساكن 23.3% على أساس سنوي خلال يوليو، وفق بيانات منصة “إملاك جيت” المستندة إلى بيانات “إنديكسا”، لكنها تراجعت 6.6% بالقيمة الحقيقية بعد احتساب التضخم.

وبلغ متوسط سعر المنزل في تركيا نحو 5.21 ملايين ليرة، بينما وصل متوسط سعر المتر المربع إلى نحو 41.7 ألف ليرة، ما يعكس اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ودخول الأسر.

تراجع المبيعات رغم تحسن التمويل العقاري

وانخفضت مبيعات المنازل في تركيا خلال يوليو بنسبة 17% على أساس سنوي إلى 123.6 ألف وحدة، فيما تراجعت مبيعات الوحدات الجديدة 8.6% والمستعملة 20.8%.

وعلى مستوى الأشهر السبعة الأولى من 2026، انخفض إجمالي المبيعات 5.5% إلى نحو 823.1 ألف وحدة، في مؤشر على استمرار ضعف الطلب رغم بعض التحسن في المبيعات الممولة بالقروض العقارية، التي ارتفعت 23.7% خلال يوليو إلى 23.9 ألف وحدة.

السيولة تتجه إلى الودائع

ومع ارتفاع عوائد الودائع المصرفية، أصبح الاستثمار العقاري أكثر صعوبة بالنسبة لبعض المستثمرين والمطورين، خصوصاً مع طول فترة بيع الوحدات وارتفاع تكاليف الإنشاء.

وبحسب تقديرات عاملين في السوق، دفعت هذه الظروف بعض الشركات والمستثمرين إلى تفضيل إيداع الأموال في المصارف بدلاً من ضخها في مشاريع عقارية تحتاج إلى وقت أطول لاسترداد رأس المال، ما ساهم في تجميد جزء من السيولة داخل القطاع وتأجيل بعض المشاريع.

العقارات تضغط على قطاعات مرتبطة بها

ويمتد تأثير تباطؤ السوق إلى قطاعات مرتبطة بالعقار، من مواد البناء والأثاث إلى النقل والوساطة والخدمات المالية، إذ يؤدي انخفاض وتيرة التطوير والبيع إلى تراجع النشاط في سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالمشاريع العقارية.

كما يواجه المطورون تحدياً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع تكلفة البناء من جهة، وضعف القدرة الشرائية للمشترين من جهة أخرى، ما يزيد صعوبة تسعير المشاريع وتحقيق عوائد مناسبة على الاستثمارات.

الطلب الأجنبي لا يعوض التراجع المحلي

ورغم ارتفاع مبيعات المنازل للأجانب 1.9% خلال يوليو إلى 2,120 وحدة، فإنها شكلت نحو 1.7% فقط من إجمالي السوق، كما تراجعت مبيعات الأجانب خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 7.3% إلى 11,203 وحدات.

ويعني ذلك أن الطلب الخارجي، رغم أهميته بالنسبة للسوق التركية، ما يزال غير قادر على تعويض ضعف الطلب المحلي، خصوصاً مع ارتفاع الحد الأدنى لقيمة العقار المؤهل للحصول على الجنسية التركية من 250 ألف دولار إلى 400 ألف دولار منذ 2022.

السوق أمام معادلة صعبة

ويبقى مستقبل القطاع مرتبطاً بمسار الفائدة والتضخم وقدرة الدخول على مواكبة أسعار العقارات. فاستمرار الفائدة المرتفعة يضغط على التمويل والسيولة، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف البناء إلى رفع أسعار المشاريع، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمشترين.

وبذلك، تبدو السوق العقارية التركية أمام مرحلة تحتاج فيها إلى عودة تدريجية للتمويل والطلب، حتى تتمكن السيولة المجمدة داخل المشاريع والوحدات غير المبيعة من العودة إلى دورة الاستثمار والتطوير العقاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *