الرئيسية / مميز / من الأرشيف الورقي إلى المنظومة الرقمية.. مشروع لرقمنة نصف مليون وثيقة عقارية في سورية بتمويل يتجاوز مليوني دولار

من الأرشيف الورقي إلى المنظومة الرقمية.. مشروع لرقمنة نصف مليون وثيقة عقارية في سورية بتمويل يتجاوز مليوني دولار

سوريا العقارية – دمشق

في خطوة تستهدف تحديث إدارة السجلات العقارية وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي، وقّعت وزارة الإدارة المحلية والبيئة مذكرة تفاهم وعقداً تنفيذياً مع شركة “كرييتف أسوشييتس إنترناشونال”، (Creative Associates International)، لتنفيذ مشروع رقمنة نحو 500 ألف وثيقة وعقد عقاري في خمس محافظات سورية، بتمويل من وزارة الخارجية الأمريكية، وبموازنة إجمالية تبلغ 2,043,175 دولاراً أمريكياً، على مدى خمسة أشهر.

ووقّع مذكرة التفاهم عن جانب وزارة الإدارة المحلية معاون الوزير، فيما وقّعها عن جانب الشركة رئيسها “ليلاند كروفنت”، الذي وقّع أيضاً العقد التنفيذي الخاص بالمشروع عن جانب الشركة.

ويشمل المشروع محافظات دمشق وحلب وحماة والرقة ودير الزور، ويتضمن تجهيز خمسة مراكز للتحول الرقمي، وإنشاء مركز بيانات مركزي في دمشق، إلى جانب تنفيذ عمليات رقمنة وفهرسة وحفظ الوثائق العقارية إلكترونياً، وتدريب الكوادر المعنية على إدارة المنظومة وتشغيلها.

مشروع الرقمنة ضمن برنامج الفرات الثالث

ويأتي المشروع في إطار برنامج “الفرات الثالث”، (FURAT III)، وهو برنامج للحوكمة وتيسير التعافي والتحول الحضري، تموله وزارة الخارجية الأمريكية وتنفذه شركة “كرييتيف أسوشييتس إنترناشونال”، ويهدف إلى دعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية على إدارة الخدمات والاستجابة للاحتياجات.

ولا يقتصر البرنامج على التحول الرقمي، بل يشمل مجالات تدخل متعددة، من بينها تحسين خدمات المياه، وإدارة النفايات ومعالجتها، وتأهيل المنازل وصيانة الآليات، وإزالة الأنقاض، وبناء القدرات، وتطوير الإجراءات وآليات العمل داخل المؤسسات الحكومية.

وبحسب المعلومات التعريفية للبرنامج، عملت الشركة منذ عام 2013 على تنفيذ مشاريع في عدد من المحافظات السورية، قبل أن يتوسع نطاق عملها نحو التعاون المباشر مع الوزارات والمؤسسات الحكومية السورية، والعمل ضمن مناطق جغرافية متعددة، دعماً لأولويات التعافي التي تحددها الجهات الحكومية المعنية.

كما يتضمن البرنامج تقديم برامج تدريبية للعاملين في القطاع العام، وتطوير إجراءات عمل موحدة، بهدف تعزيز دور المؤسسات الحكومية في إدارة الخدمات وتحسين مستوى تقديمها، إلى جانب العمل على تهيئة بيئة مناسبة للاستثمار والتبادل التجاري من خلال التواصل مع المؤسسات الحكومية والجهات الاقتصادية ومجتمع الأعمال، والمساهمة في تذليل العوائق أمام الاستثمار.

وفي هذا الإطار، يمثل مشروع رقمنة السجلات العقارية أحد مسارات التعاون المباشر مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة، من خلال تطوير البنية الرقمية للوزارة وتحديث آليات حفظ الوثائق وإدارتها، بما يربط التحول الرقمي بمسار أوسع للتعافي وتطوير العمل الحكومي.

من الأرشيف الورقي إلى حماية البيانات العقارية

وأكد وزير الإدارة المحلية والبيئة “محمد عنجراني”، أهمية المشروع في الانتقال من الأرشيف العقاري الورقي المعرّض لمخاطر الفقدان والتلف والتلاعب، إلى بنية رقمية آمنة وقابلة للتوسع، مشيراً إلى أن غالبية الأرشيف العقاري لا تزال ورقية، في ظل تراجع كفاءة أنظمة إدارة السجلات.

وأوضح “عنجراني”، أن السجلات الرقمية الآمنة ستسهم في تقليل الوقت اللازم للتحقق من البيانات واسترجاعها، وتحسين عمليات التخطيط واتخاذ القرارات الإدارية، فضلاً عن رفع كفاءة الخدمات العامة.

ولفت إلى أن موثوقية السجلات العقارية تمثل عاملاً مهماً في دعم حماية الحقوق وتسهيل جهود إعادة الإعمار والتخطيط، وتوفير بيئة أكثر وضوحاً للاستثمار، بما يساند مسار التعافي الاقتصادي في سورية.

أكثر من 5.3 ملايين عقد عقاري في المحافظات الخمس

وتكشف البيانات التي عرضتها الوزارة عن حجم الأرشيف العقاري القائم في المحافظات المستهدفة، إذ يبلغ إجمالي العقود 5,332,088 عقداً، موزعة على 35,619 سجلاً عقارياً.

وتتصدر حلب المحافظات من حيث عدد العقود، بواقع 1,912,793 عقداً ضمن 15,823 سجلاً، تليها دمشق بـ1,653,697 عقداً ضمن 4,200 سجل، ثم حماة بـ1,462,000 عقد ضمن 8,346 سجلاً.

أما في الرقة، فيبلغ عدد العقود 154,460 عقداً ضمن 3,820 سجلاً، في حين تسجل دير الزور 149,138 عقداً ضمن 3,430 سجلاً.

وتظهر هذه الأرقام تركز الجزء الأكبر من الأرشيف العقاري في حلب ودمشق وحماة، ما يعكس حجم العمل المطلوب في حفظ الوثائق ومعالجتها وفهرستها إلكترونياً.

ويستهدف المشروع رقمنة نحو 500 ألف وثيقة وعقد من هذا الأرشيف، وليس كامل السجلات القائمة، ضمن مرحلته الحالية.

خمسة مكونات تنفيذية لبناء منظومة رقمية متكاملة

لا يقتصر المشروع على تحويل الوثائق الورقية إلى نسخ إلكترونية، بل يقوم على خمسة مكونات تنفيذية مترابطة، تبدأ بتأسيس البنية التحتية وتنتهي بوضع الأسس اللازمة للتوسع الوطني في رقمنة السجل العقاري.

ويتمثل المكون الأول في إنشاء مركز بيانات مركزي في دمشق، يوفر بنية آمنة للحوسبة والتخزين والنسخ الاحتياطي والشبكات والأمن السيبراني، بما يتيح معالجة البيانات العقارية وتخزينها وإدارتها مركزياً.

أما المكون الثاني فيشمل تأهيل وتجهيز خمسة مراكز للتحول الرقمي في دمشق وحلب وحماة والرقة ودير الزور، لتكون مراكز لتنفيذ عمليات الأرشفة والرقمنة.

ويركز المكون الثالث على بناء القدرات المؤسسية، من خلال تعزيز مهارات كوادر الوزارة في مجالات الأرشفة وإدارة السجلات وقواعد البيانات والأمن السيبراني وضمان الجودة وحوكمة البيانات.

ويتعلق المكون الرابع بتنفيذ عمليات الرقمنة، عبر تحضير نحو 500 ألف وثيقة عقارية ومسحها وفهرستها والتحقق منها وحفظها إلكترونياً بصورة آمنة.

في حين يخصص المكون الخامس لتقييم الأنظمة والقدرات المؤسسية، وتحديد الفجوات ووضع خطة مستقبلية للتوسع الوطني في رقمنة السجل العقاري.

ويعتمد المشروع على تنفيذ هذه المكونات بصورة متكاملة، بحيث تتطور البنية التقنية والقدرات البشرية بالتوازي مع عمليات الرقمنة، بما يضمن تأسيس منظومة قابلة للتوسع والاستدامة.

حميش: المشروع ينتقل إلى مرحلة التنفيذ

وقال مدير فرع شركة “كرييتيف”، في سورية “محمد حميش”، في تصريح لـ”سوريا العقارية”، إن المشروع يهدف إلى دعم التحول الرقمي وتطوير العمل في القطاع العقاري، موضحاً أن توقيع مذكرة التفاهم والعقد التنفيذي يعني الانتقال إلى مرحلة تنفيذ المشروع.

وبيّن “حميش”، أن مدة التنفيذ تبلغ خمسة أشهر، وبموازنة إجمالية تتجاوز مليوني دولار، ويتضمن العمل إنشاء مركز البيانات في دمشق وتجهيز خمسة مراكز للتحول الرقمي في المحافظات المستهدفة، بما يدعم تطوير البنية التحتية الرقمية للسجل العقاري وتحسين إدارة الوثائق والبيانات العقارية.

تدريب 350 موظفاً لضمان استدامة المشروع

وفي إطار بناء القدرات، يستهدف المشروع تدريب ما يصل إلى 350 موظفاً من كوادر الوزارة، من خلال عشر جلسات تدريبية فنية، تشمل مجالات الأرشفة وإدارة السجلات وقواعد البيانات والأمن السيبراني وضمان الجودة وحوكمة البيانات.

ويُقدّر عدد المستفيدين من المشروع بنحو 2.5 مليون نسمة، في إطار الجهود الرامية إلى تطوير الإدارة العقارية وتحسين الخدمات المرتبطة بها، فيما يشكل تأهيل الكوادر المحلية عنصراً أساسياً لضمان استمرار تشغيل المنظومة بعد انتهاء فترة التمويل والتنفيذ.

من رقمنة الوثائق إلى مسار أوسع للتعافي

يمثل المشروع مرحلة تأسيسية في مسار تحديث السجل العقاري السوري، إذ يجمع بين تطوير البنية التحتية التقنية، وتأهيل المراكز والكوادر، وتنفيذ عمليات الرقمنة، ووضع خطة للتوسع مستقبلاً.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة حدود الأرشفة الإلكترونية، بالنظر إلى ارتباط السجلات العقارية بعمليات التخطيط وإعادة الإعمار وإدارة الأراضي وتطوير الخدمات، وما تتطلبه هذه المجالات من بيانات منظمة وموثوقة يسهل الوصول إليها ضمن الأطر القانونية.

وفي سياق برنامج “الفرات الثالث”، تندرج رقمنة السجلات العقارية ضمن توجه أوسع لدعم المؤسسات الحكومية وتطوير قدراتها، بما يجعل نجاح المشروع مرتبطاً بدقة نقل البيانات، وكفاءة إجراءات الحماية والنسخ الاحتياطي، وقدرة الجهات المعنية على تشغيل المنظومة وتوظيفها في تحسين الخدمات.

وبذلك، لا تقتصر الرهانات على رقمنة نصف مليون وثيقة خلال خمسة أشهر، بل تمتد إلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على إدارة الأرشيف العقاري بصورة أكثر كفاءة وأماناً، وتشكّل أساساً لمراحل أوسع من التحول الرقمي في القطاع العقاري السوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *