الرئيسية / قطاعات / كنيس جوبر… تحفة يهودية في قلب دمشق

كنيس جوبر… تحفة يهودية في قلب دمشق

في حي جوبر، شمال شرقي دمشق، ارتبط أحد أبرز المعالم الدينية اليهودية في سوريا بتاريخ طويل من العبادة والحج والذاكرة المحلية. ويُعرف الموقع باسم كنيس إلياهو حنابي أو كنيس النبي إلياس، وقد عُدّ أكبر كنيس في سوريا وأحد أقدم المواقع اليهودية في المنطقة، قبل أن يتحول خلال سنوات الحرب إلى أنقاض.

تاريخ يمتد إلى قرون بعيدة

يرتبط كنيس جوبر بتقاليد دينية وتاريخية تعود إلى النبي إلياس، وتذكر مصادر أن الموقع ورد في التلمود البابلي، بينما تنسب رواية متداولة تأسيسه إلى عام 720 قبل الميلاد. إلا أن هذا التاريخ يخص تقليد الموقع وروايته الدينية، ولا يمثل تاريخاً أثرياً محسومًا للمبنى الذي كان قائماً قبل تدميره.

وتشير سجلات الرحالة والمؤرخين إلى أن الموقع كان معروفاً منذ قرون، فيما وثّق الرحالة اليهودي إسرائيل جوزيف بنيامين تفاصيل عن الكنيس خلال زيارته للمنطقة في القرن التاسع عشر، وذكر وجود أعمدة مكسوة بالرخام ومغارة أسفل موضع العبادة، كان الوصول إليها عبر درج يضم نحو 20 درجة.

عمارة تحمل بصمة دمشق

لم يكن الكنيس مجرد مبنى ديني معزول عن محيطه، فقد عكست عمارته البيئة الدمشقية التي نشأ فيها. ووفق توثيق Smarthistory وDiarna، حملت قاعة العبادة عناصر متأثرة بالعمارة العثمانية، ظهرت في المصابيح والمنسوجات والزخارف الداخلية.

وكان مركز القاعة يضم منصة صلاة خشبية مزخرفة تُعرف باسم البيما، وهي عنصر أساسي في التقاليد السفاردية، بينما كان تابوت التوراة في مواجهة المنصة. كما تميز الفراغ الداخلي بالسجاد والثريات والمقاعد الجماعية، مع حضور واضح للألوان والزخارف التي منحت المكان طابعاً احتفالياً ودافئاً.

وتكشف هذه العناصر عن تداخل واضح بين الوظيفة الدينية والهوية المعمارية المحلية؛ فالكنيس نشأ داخل النسيج العمراني لدمشق، وتأثر بأساليب البناء والزخرفة السائدة في المنطقة، مع احتفاظه بخصائص العمارة الدينية اليهودية السفاردية.

مغارة النبي إلياس في قلب الموقع

من أكثر عناصر الموقع خصوصية المغارة الموجودة أسفل موضع العبادة، والتي ارتبطت في الروايات الدينية بالنبي إلياس. وتذكر مصادر التوثيق أن الموقع احتوى على درج يقود إلى المغارة، التي كان يُعتقد أن النبي لجأ إليها.

كما ارتبط المكان برواية أن النبي إلياس قام فيه بمسح إليشع خلفاً له في النبوة، وهي رواية خُلدت على لوح رخامي داخل الكنيس حمل كتابات بالعبرية والعربية والفرنسية.

من كنيس إلى موقع للحج والذاكرة

احتل كنيس جوبر مكانة خاصة لدى يهود دمشق، ولم تقتصر وظيفته على إقامة الصلوات. فقد كان مقصداً للزوار والحجاج خلال أيام السبت والأعياد، كما ارتبط الموقع بمعتقدات شعبية حول البركة والشفاء.

وتوثق Diarna أن عائلة يهودية واحدة كانت تتولى رعاية الكنيس، فيما كان الزوار يتوافدون إليه من دمشق وخارجها، خصوصاً في المواسم الدينية. كما وصفه رحالة في القرن التاسع عشر كوجهة يقصدها يهود دمشق لقضاء أوقاتهم في محيط غني بالياسمين والبساتين.

ذاكرة يهودية داخل النسيج الدمشقي

تتجاوز أهمية كنيس جوبر الجانب الديني إلى كونه شاهداً على حضور يهودي قديم داخل المجتمع الدمشقي. فقد كان الحي لقرون جزءاً من جغرافيا الحياة اليهودية في دمشق، قبل أن تتراجع مكانة المجتمع اليهودي فيه تدريجياً خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

ويظهر ذلك في طبيعة الموقع نفسه، الذي جمع بين الوظيفة الدينية والمجال الاجتماعي، وبين الكنيس والمساحات المحيطة به التي احتضنت حياة المجتمع وطقوسه ومناسباته. وتؤكد دراسات توثيق التراث أن المواقع اليهودية في المنطقة تمثل مصدراً مهماً لفهم تاريخ المجتمعات التي عاشت في مدن الشرق الأوسط وتفاعلت مع بيئاتها المحلية.

من معلم تاريخي إلى أنقاض

تعرض الكنيس خلال الحرب السورية لأضرار جسيمة، بعدما طال القصف والنهب حي جوبر، وانتهى الأمر بانهيار أجزاء واسعة من المبنى واختفاء عدد من مقتنياته. ووثقت مصادر تراثية وصحفية حالة الموقع قبل وبعد التدمير، مشيرة إلى فقدان عناصر من داخله، بينها مخطوطات ومفروشات وثريات ومقتنيات دينية.

وبحلول عام 2014، كان الموقع قد تعرض لدمار واسع جعله واحداً من أبرز الأمثلة على خسارة التراث الديني والمعماري في دمشق خلال الحرب. وبعد سنوات، أصبح الوصول إلى جوبر ممكناً مجدداً، ما أتاح لأفراد من المجتمع اليهودي السوري زيارة الموقع والاطلاع على حالته.

قيمة معمارية تتجاوز حدود الطائفة

تكمن أهمية كنيس جوبر اليوم في كونه وثيقة معمارية وثقافية لمدينة دمشق متعددة الطبقات؛ فهو يجمع بين تاريخ ديني يهودي قديم، وخصائص معمارية متأثرة بالبيئة العثمانية والدمشقية، وذاكرة اجتماعية امتدت لقرون.

ورغم زوال المبنى الذي كان قائماً قبل الحرب، فإن الصور والتوثيق المعماري والشهادات التاريخية التي حُفظت عنه تتيح قراءة جانب من تاريخ دمشق العمراني والثقافي، وتبرز قيمة المواقع الدينية القديمة باعتبارها جزءاً من الذاكرة المكانية للمدينة، وليس مجرد مبانٍ مرتبطة بجماعة دينية واحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *