في أسواق دمشق القديمة، حيث ما تزال الحركة التجارية تنبض بين الحريقة والحميدية وسوق مدحت باشا، يطفو ملف الإيجارات القديمة وحقوق “الفروغ” مجدداً كأحد أكثر الملفات العقارية والاقتصادية حساسية خلال عام 2026، وسط ارتفاعات غير مسبوقة في القيم الإيجارية وضغوط متزايدة تهدد استقرار آلاف المنشآت التجارية والمهنية في العاصمة.
“كنا نتحدث قبل سنوات عن مئات آلاف الليرات، واليوم الأرقام وصلت إلى مئات الملايين”، بهذه العبارة يلخص أحد تجار دمشق حجم التحول الذي أصاب السوق العقاري التجاري، في ظل التضخم المتسارع وارتفاع القيمة السوقية للعقارات، ما خلق فجوة واسعة بين المالكين الراغبين بإعادة تسعير ممتلكاتهم وفق أسعار السوق الحالية، والمستأجرين الذين يستندون إلى عقود قديمة وحقوق قانونية متراكمة منذ عقود.
70 ألف منشأة أمام اختبار الاستقرار
لا يقتصر تأثير الملف على المحال التجارية الصغيرة، بل يمتد ليشمل آلاف المكاتب المهنية، العيادات، الورش، والمنشآت الصناعية والخدمية المنتشرة في دمشق وريفها، والتي تعتمد في وجودها القانوني على عقود الإيجار القديمة المرتبطة بحقوق “الفروغ”.
ويقدّر متابعون أن أكثر من 70 ألف منشأة ما تزال تعمل ضمن هذا الإطار القانوني، ما يجعل أي تغيير في القيم الإيجارية أو آليات التخمين العقاري قضية تمس شريحة واسعة من الاقتصاد المحلي، وليس مجرد نزاع فردي بين مالك ومستأجر.
ويستند هذا النوع من العقود إلى المرسوم 111 لعام 1954، الذي شكّل لعقود طويلة الإطار القانوني الناظم للعلاقة بين الطرفين، وحافظ على استقرار النشاط التجاري في عدد كبير من الأسواق السورية.
التخمين العقاري.. بين التفاوض والمحكمة
في ظل القفزات الكبيرة في أسعار العقارات والإيجارات، بات ملف “التخمين” النقطة الأكثر حساسية داخل السوق. فبينما يسعى المالكون إلى رفع القيم الإيجارية بما يتناسب مع الأسعار الحالية، يخشى المستأجرون من فقدان مواقعهم التجارية أو التعرض لأعباء مالية تفوق قدرتهم على الاستمرار.
ويؤكد تجار ومحامون أن السوق يتحرك اليوم عبر مسارين رئيسيين؛ الأول يقوم على “التخمين الرضائي”، حيث يتفق الطرفان بشكل مباشر على قيمة إيجارية جديدة بعد الاستعانة بخبراء أو وسطاء عقاريين، وهو الخيار الذي يفضله كثيرون حفاظاً على استمرارية العمل وتجنب النزاعات القضائية الطويلة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في “تخمين المحكمة”، حيث يلجأ الطرفان إلى القضاء في حال تعذر الوصول إلى اتفاق، ليتم تعيين خبير رسمي يحدد القيمة الإيجارية استناداً إلى موقع العقار ومساحته وطبيعته التجارية، ضمن إطار قانوني ملزم للطرفين.
ويعتبر مختصون أن هذا المسار بات يشكل صمام أمان في مواجهة الارتفاعات المفاجئة وغير المنطقية التي شهدها السوق خلال الفترة الأخيرة.
قلق تجاري في قلب دمشق
داخل الأسواق الدمشقية، لا ينظر التجار إلى الملف باعتباره قضية عقارية فقط، بل كعامل مباشر يؤثر على استقرار الأعمال والقدرة على الاستمرار في السوق، خاصة مع ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف القدرة الشرائية.
ويقول عدد من أصحاب المحال إن الاستقرار في الموقع التجاري أصبح اليوم أولوية تفوق حتى هامش الأرباح، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على السمعة التاريخية والحركة التجارية التقليدية، حيث يرتبط اسم المحل بالموقع بقدر ارتباطه بالنشاط نفسه.
كما يحذر مراقبون من أن أي اضطراب واسع في ملف الإيجارات القديمة قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في الخريطة التجارية التقليدية لدمشق، عبر خروج منشآت قديمة من السوق لصالح أنشطة جديدة ذات قدرة مالية أعلى.
الاستقرار القانوني كجزء من البيئة الاستثمارية
يتقاطع هذا الملف مع التحولات العقارية الكبرى التي تشهدها دمشق خلال عام 2026، بالتزامن مع مشاريع التطوير العمراني وإعادة تنظيم المناطق التجارية والسكنية. ويرى مختصون أن طريقة معالجة ملف “الفروغ” والإيجارات القديمة ستشكل اختباراً حقيقياً لمرونة البيئة القانونية والاستثمارية في سوريا خلال المرحلة المقبلة.
كما أن الاتجاه نحو رقمنة السجلات العقارية وأتمتة البيانات العقارية قد يساهم مستقبلاً في جعل عمليات التخمين أكثر دقة وشفافية، عبر الاعتماد على قواعد بيانات وأسعار سوقية واضحة بدلاً من التقديرات الفردية.
ملف “الفروغ” في دمشق لم يعد مجرد نزاع قانوني تقليدي، بل تحول إلى قضية اقتصادية تمس استقرار الأسواق وهوية المدينة التجارية. وبين رغبة المالكين في مواكبة التحولات السعرية، وتمسك المستأجرين بحقوقهم التاريخية، يبقى التحدي الحقيقي في الوصول إلى توازن يحافظ على استمرارية النشاط التجاري ويمنع اهتزاز أحد أقدم المراكز الاقتصادية في المنطقة.








