يشكل انطلاق المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق محطة مفصلية في مسار التحول الاقتصادي الذي تشهده سوريا خلال عام 2026، وسط توجه واضح لإعادة تموضع البلاد على خارطة الاستثمار الإقليمي. الحدث حمل أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي، مع حضور شخصيات اقتصادية ورسمية رفيعة ناقشت مستقبل التطوير العقاري، السياحة، والبنية التحتية ضمن رؤية تعتمد على الشراكة طويلة الأمد مع القطاع الخاص الخليجي.
الرسائل الصادرة عن المنتدى عكست انتقالاً تدريجياً من مرحلة “الدعم المحدود” إلى مفهوم “التحالفات الاستثمارية” القادرة على ضخ رؤوس أموال وخبرات تشغيلية في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الحضرية.
خطاب اقتصادي جديد قائم على الشراكة والكفاءة
خلال جلسات المنتدى، ركز رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي على أهمية استقطاب “الشريك الاستراتيجي” القادر على نقل الخبرات الإدارية والتقنية، في إشارة إلى رغبة دمشق بالاستفادة من النماذج الخليجية الناجحة في تطوير المدن الحديثة وإدارة المشاريع الكبرى.
من جهته، طرح وزير السياحة مازن الصالحي رؤية تعتمد على تأسيس صندوق سيادي للتنمية يوجه الاستثمارات نحو مشاريع طويلة الأمد تحقق عوائد مستدامة، مع التركيز على إعادة تأهيل القطاع السياحي وربطه بالبنية التحتية والخدمات الذكية.
أما وزير الاقتصاد نضال الشعار، فقد سلط الضوء على أهمية النموذج الإماراتي في الإدارة والكفاءة الاقتصادية، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب بيئة استثمارية مرنة تستوعب رؤوس الأموال الإقليمية وتعيد بناء الثقة بالسوق السورية.
التعويض العادل يتحول إلى شرط أساسي للاستثمار
واحدة من أبرز القضايا التي طُرحت خلال المنتدى تمثلت في ملف “التعويض العادل” لأصحاب الأراضي والعقارات ضمن مناطق التطوير الجديدة، حيث أبدى مستثمرون إماراتيون اهتماماً واضحاً بوجود ضمانات قانونية تحافظ على حقوق المالكين الأصليين وتحد من النزاعات المستقبلية.
هذا الطرح يعكس طبيعة التحول الذي يشهده السوق العقاري السوري، خاصة في المشاريع المرتبطة بمناطق التنظيم الكبرى الخاضعة لـ المرسوم 66، حيث أصبحت معايير الحوكمة والشفافية عاملاً رئيسياً في تقييم الجدوى الاستثمارية لأي مشروع عقاري أو سياحي.
ويرى مطورون عقاريون أن تحقيق التوازن بين حقوق السكان ومتطلبات التطوير يشكل عنصر أمان طويل الأمد للمشاريع، خصوصاً مع دخول شركات إقليمية تبحث عن بيئة مستقرة قانونياً وقابلة للنمو.
المنتدى يعزز ارتباط العقار بالبنية الرقمية
التحركات الاقتصادية الأخيرة تتقاطع مع مشاريع التحول الرقمي التي تعمل عليها الجهات الحكومية، سواء عبر رقمنة السجلات العقارية أو إطلاق منظومات تقييم الأضرار والأرشفة الإلكترونية، وهو ما يمنح المستثمرين قدرة أكبر على دراسة الأصول العقارية وإدارة المخاطر, هذا الرابط بين التطوير العمراني والتحول الرقمي يعزز من فرص إنشاء مدن ذكية تعتمد على البيانات والبنية التحتية الحديثة، بالتوازي مع مشاريع التطوير الكبرى التي تشهدها دمشق والساحل السوري.
دمشق تراهن على نموذج “المدن المستدامة”
المشهد الاقتصادي الحالي يشير إلى أن سوريا تسعى لبناء نموذج استثماري جديد يقوم على دمج العقار بالسياحة والخدمات والحوكمة الرقمية، مع التركيز على مشاريع متعددة الاستخدامات قادرة على خلق قيمة اقتصادية طويلة الأمد، ويعتبر المنتدى السوري الإماراتي مؤشراً واضحاً على دخول مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية الإقليمية، تتجه فيها دمشق إلى استقطاب رؤوس الأموال الخليجية ضمن رؤية تعتمد على الاستدامة، العدالة العقارية، وتحديث البنية الحضرية.
المنتدى الاستثماري في دمشق حمل رسالة مباشرة بأن مرحلة إعادة الإعمار دخلت مساراً أكثر تنظيماً وارتباطاً بالشراكات الإقليمية الكبرى. ومع تصاعد الحديث عن التعويضات العادلة، الرقمنة العقارية، والمدن الذكية، تبدو سوريا أمام محاولة لإعادة تشكيل قطاعها العقاري وفق معايير استثمارية حديثة تجمع بين التنمية الاقتصادية والاستقرار القانوني.








