في رسالة مباشرة إلى الأسواق، شدّد مصرف سوريا المركزي على أن الاستقرار النقدي ليس خياراً، بل شرطاً أساسياً لبدء أي مسار تعافٍ اقتصادي حقيقي، وذلك على لسان حاكمه عبد القادر الحصرية، الذي وضع سياسات المصرف في قلب معادلة إعادة الإعمار، ويأتي هذا الطرح في توقيت حساس، حيث تتقاطع الضغوط الإقليمية مع محاولات داخلية لإعادة تنشيط الاقتصاد، ما يجعل السياسة النقدية أداة حاسمة في ضبط التوازنات.
ضبط التضخم وسعر الصرف… قاعدة الثقة
أوضح الحصرية أن توجهات المصرف تتركز على ثلاثة محاور مترابطة: ضبط التضخم، استقرار سعر الصرف، والحفاظ على القوة الشرائية للعملة الوطنية، وهي عناصر تشكّل مجتمعة الأساس لأي بيئة استثمارية مستقرة.
وبالتالي، فإن أي خلل في هذه المعادلة ينعكس مباشرة على قرارات المستثمرين، خصوصاً في القطاعات طويلة الأجل مثل العقار، الذي يتأثر بشكل كبير بتقلبات العملة وتكاليف التمويل.
يقظة نقدية في مواجهة المتغيرات الإقليمية
وفي سياق متصل، أشار الحصرية إلى متابعة تداعيات الأزمة الخليجية وتأثيراتها المحتملة على أسواق الطاقة والتحويلات والتجارة، وهو ما يعكس إدراكاً لطبيعة الاقتصاد السوري المرتبط جزئياً بهذه التدفقات.
ومن هنا، تبرز أهمية المرونة في السياسة النقدية، ليس فقط لمواجهة الصدمات، بل لاحتوائها قبل أن تتحول إلى موجات تضخمية أو اضطرابات في السوق.
القطاع المصرفي… قناة التعافي الفعلية
وبالتوازي مع ذلك، يعمل مصرف سوريا المركزي على تعزيز متانة القطاع المصرفي وضمان انسيابية النظام المالي، بما يتيح تمويل الأنشطة الاقتصادية الحيوية.
هذا التوجه يعيد تسليط الضوء على دور المصارف كحلقة وصل بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي، إذ إن أي تعافٍ دون تمويل فعّال يبقى نظرياً، وغير قادر على التحول إلى مشاريع ملموسة.
لماذا يهم هذا التصريح المستثمرين؟
من زاوية عقارية، فإن الاستقرار النقدي هو العامل الخفي الذي يحدد اتجاه السوق. فاستقرار سعر الصرف ينعكس مباشرة على تكاليف البناء، وأسعار الأصول، وقدرة المشترين على اتخاذ قرار الشراء، كما أن ضبط التضخم يخلق وضوحاً في التسعير، وهو ما يحتاجه المستثمر لتقييم العائد والمخاطر. وفي غياب هذا الاستقرار، يتحول العقار من أداة استثمار إلى مجرد ملاذ تحوطي غير منتج.
إدارة السيولة… خطوة نحو ضبط السوق
وفي سياق سابق، كان الحصرية قد وجّه المصارف لإدارة السيولة بشكل موضوعي وعادل، وهي خطوة تبدو تقنية، لكنها تحمل أثراً مباشراً على السوق، إذ تحدد قدرة الأفراد والشركات على الوصول إلى التمويل.
وهذا يعني أن السياسة النقدية لا تقتصر على المؤشرات الكبرى، بل تمتد إلى تفاصيل التشغيل اليومية التي تؤثر على حركة السوق بشكل مباشر.
ما يؤكده المصرف المركزي اليوم هو أن إعادة الإعمار لا تبدأ من المشاريع، بل من الاستقرار النقدي الذي يسبقها. فبدون عملة مستقرة ونظام مالي متماسك، تبقى أي خطط تنموية معرضة للتعثر، وبالنسبة للمستثمرين، فإن هذه المرحلة تمثّل اختباراً لمدى قدرة السوق على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الثقة، وهي الخطوة التي تحدد فعلياً توقيت الدخول إلى أي استثمار طويل الأمد.








