في تحرّك يحمل أبعاداً تتجاوز الإطار السياحي التقليدي، أعلنت محافظة دمشق عن إطلاق مشروع “رحلة قاسيون”، بالتعاون مع وزارة السياحة، وذلك ضمن توجه لإعادة تفعيل الفضاءات الحضرية وتحويلها إلى محركات اقتصادية وثقافية واجتماعية في قلب العاصمة.
ويأتي الإعلان بالتزامن مع حفل رسمي في دار الأوبرا، بحضور وزراء ومسؤولين ومستثمرين، ما يعكس أن المشروع لا يُطرح كمبادرة ترفيهية فقط، بل كمنصة استثمارية متعددة الأبعاد تستهدف إعادة ضخ الحياة في أحد أبرز الرموز الجغرافية لدمشق.
مشروع متعدد الوظائف… يتجاوز السياحة
يرتكز مشروع “رحلة قاسيون” على دمج البعد السياحي بالثقافي والاجتماعي، بحيث لا يقتصر على الترفيه، بل يشمل أنشطة متنوعة تُتاح نسبة كبيرة منها مجاناً، في خطوة تهدف إلى تعزيز المشاركة المجتمعية وإعادة ربط السكان بالمدينة.
وفي الوقت ذاته، يتوقع أن يوفر المشروع آلاف فرص العمل، ما يضعه ضمن فئة المشاريع ذات الأثر الاقتصادي المباشر، خاصة في مرحلة تحتاج فيها الأسواق المحلية إلى محركات تشغيل سريعة وفعّالة.
الاستثمار عبر منصة رقمية… مؤشر على تغيير الأدوات
وبالتوازي مع الطرح التقليدي للمشاريع، أعلنت المحافظة عن اعتماد منصة رقمية جديدة للتقدم للاستثمار، وهي نقطة مفصلية في قراءة المشروع، إذ تعكس توجهاً نحو تنظيم العملية الاستثمارية ورفع مستوى الشفافية.
هذا التحول لا يقتصر على تسهيل الإجراءات، بل يشير إلى محاولة بناء بيئة استثمارية أكثر وضوحاً، وهو عامل حاسم في جذب المستثمرين، خصوصاً في الأسواق التي تمر بمراحل إعادة هيكلة.
ترابط استراتيجي مع مشاريع سياحية أخرى
ومن جهة أخرى، يرتبط مشروع “رحلة قاسيون” بمشروع “ذا بومنت دمشق”، الذي وصفه وزير السياحة مازن الصالحاني بأنه باكورة المشاريع السياحية الاستراتيجية، حيث من المخطط أن يشكل المشروعان معاً محوراً متكاملاً يربط قلب المدينة بواجهة سياحية جديدة.
وهذا الترابط يعكس فهماً مختلفاً للتطوير، قائم على خلق شبكة مشاريع مترابطة بدلاً من مشاريع منفصلة، وهو ما يرفع من القيمة الإجمالية لكل مشروع ويعزز من جدواه الاستثمارية.
ماذا يعني المشروع فعلياً؟
من منظور عقاري، فإن تطوير منطقة جبل قاسيون بهذا الشكل يعني إعادة تسعير غير مباشر للمناطق المحيطة، خاصة إذا تم تنفيذ المشروع وفق الرؤية المعلنة.
فالمشاريع السياحية–الثقافية الكبرى غالباً ما تخلق طلباً جديداً على السكن والخدمات، وتحوّل المناطق القريبة إلى نقاط جذب استثماري، ما يؤدي تدريجياً إلى رفع قيمة الأصول العقارية.
كما أن اعتماد التنفيذ على كوادر سورية يعكس توجهاً نحو تقليل التكاليف وتعزيز الاستفادة من الخبرات المحلية، وهو عامل إيجابي في بيئات إعادة الإعمار.
توقيت التنفيذ… بين التحدي والفرصة
ورغم تأجيل إطلاق المشروع عدة مرات، إلا أن التوقعات تشير إلى بدء التنفيذ مع نهاية صيف 2026، وهو توقيت يحمل تحدياً من جهة، لكنه في المقابل يمنح الجهات المعنية مساحة أكبر لتنظيم الطرح الاستثماري وضبط تفاصيل المشروع.
وفي أسواق مشابهة، غالباً ما تكون المشاريع التي تأخذ وقتاً أطول في التحضير أكثر قدرة على الاستدامة عند التنفيذ، إذا ما تم استثمار هذا الوقت بشكل صحيح.
“رحلة قاسيون” هو محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المدينة وسكانها، وبين الاستثمار والفضاء العام.
ومن زاوية عقارية، فإن المشروع يمثل إشارة أولية على تحرّك مدروس لإعادة تنشيط العاصمة، حيث تبدأ القيمة من إعادة إحياء المكان، قبل أن تنعكس لاحقاً على السوق بأكمله.








